الجمعة، 9 يوليو 2010
عابر سبيل
الجزائر - أسطاوالي
أنت لي، ولي لك، ولنا كلنا نحنُ لبعضنا، استنادً على ما قاله الرسول، صلى الله عليه وسلم“مثلُ المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد، بالسهر والحمى” رواه مسلم..
توقفتُ عن قراءة الجرائد الجزائرية، ففيها التوجيه واضحٌ، وتشويه النصوص مبالغ فيها، بعد أن تأكدت عن تيارات تقود الإعلام في الجزائر، وتخنقه لحد الانتحار، أن تقول فضيحة سهل أن تقول كلاماً جميلاً في العالم الحالي، فالشهرة محكومة على الأخبار الغريبة، والنادر سماعها، هذا أسلوب جريدة النهار الجزائرية، ملغومة، وتجعلك تقرب الجريدة لوجهك أكثر، لتتأكد من صحة ما نشر، ومكتوبٌ فيها، وتنسى أن تأخذ نفساً، لأنك تفكر هل هذا صحيح؟ ولأنني لست في الجزائر مقيمٌ أو مواطن فيها، ولأني من بلدٍ أنعمَ الله عليها بالخير والأمن، فكأني مازلتُ مراهق يفتح عيونه على أشياء جديدة، ويتعلم وقبل ذلك ينصدم منها...
في خطبة الجمعة أكد الشيخ كلامه عن الحب في الله، والأخوة، وذكرحديث الجسد الواحد، وذاد تأكيداً لكلام السائق عن عابر السبيل، وذكر بأن هناك أأمة آفارقة، يريدون العودة لبلادهم بعد خدمتهم الإسلامية بالدعوة لله، ويملكون نصف سعر التذكرة ليشموا رائحة بلادهم..ذكر الخطيب المصلين بحديث الأخوة في الإسلام، والتواد والتراحم والعطف، وبأمجاد طبع الجزائرين الثورية، ومدى تطبيقهم للأخلاق الإسلامية الشرعية الوطنية، في حفظ معنى الأخوة، وحب الناس لأنهم ناس، فكانت الصدقة لذلك اليوم، نصيباً للأأمة الأفاضل، عابرين السبيل، ليعودوا للبلاد بصدقات أهل الجزائر الأفاضل الكرماء..
جلستُ بجانب رجلٌ كبير في السن، بعد أن قبلتُ رأسه، كما فعل الآخرون قبلي، فمر الجميع بعدي، وسلموا علي لظنهم بأني أنتمي لعائلة الشخص الجليل، ظهره أحدب، ذائب الجلد، ملامحه مرهقة، حاجباه مستسلمان ذائبان على عيناه، على عكاز يكافحُ من أجل الوقوف على رجليه الضعيفتان، سمع صوتي أرتل وقال بصوت منخفض، ولغة غير مفهومة، “وشاأنتكيف...” أسرعت بقطع وتسهيل الطريق عليه، والتعريف بهويتي، فقلتُ، عبدالعزيز دلول، من غزة، فلسطين، فابتسم مسلوب الأسنان وألقى بصره هناك بعيداً ، وقال جملة بالتأكيد لم أفهم شيء منها، وأعتقد أنه لم يكن يتحدث معي باللغة العربية، قام من الكرسي، ببطئ شديد، لدجة أني تخيلت نفسي هو لوهلة، ثم أكملت لأعود لأكمل قصة أصحاب الكهف وسيدنا موسى والخضر وذي القرنين ويأجوج ومؤجوج..
بعد لحظات هجم وخطف رجلٌ في الخمسينيات من تحت الكرسي الذي كان جالسٌ فيه الرجل العجوز، وهرب ببطئ سريع! والتفت الناس إليَّ، هل هي نقودك؟ انتبهتُ، ولحقه رجلين، وبعض المصلين قالوا “ دعوه، دعوه يحصل على رزقه !!” كنا في فناء المسجد، وسرقة أمام أعين الناس،قلتُ أني أعرف صاحب المال، فنهضتُ أبحث عن الشيخ، ووجدته يمشيء ببطئ، سألته أين مالك؟ لم يفهمني، ولم أفهمه، سحبته من يده، حتى جلس على نفس الكرسي، وقلتُ للناس المال لهذا الشيخ، رفع بصره للسماء ودعى الشيخ لله، بدأ الناس يتحدثون معه، ويواسونه، لأن المبلغ كان ٥٥ ألف دينار جزائري، أي ضخم نوعاً ما...سكن الجميع، وعدت لمصحفي باستغراب، تسائلتُ، لماذا يحضرون هؤلاء للصلاة؟ وهل هم أصلاً مسلمون؟ السارق، الزاني، الخمّار، هل يتوبون فعلاً أم يظنون أن الصلاة رفع عتب وإثبات حضور وظيفية يأكدون من خلالها للناس وليس لربهم أنهم مسلمون؟
عاد الرجلين البطلين، وابتسمتُ وابتسم المصلين، سلم الشيخ الكبير عليَّ وغادر، بعد أن شكرني الناسُ لأني أدللت عن صاحب المال، فكنت مشاركاً في حل جزء من قضية السرقة الطازجة، وكان ينقص فقط، إدانة السارق وتنفيذ حكم شريعة الدين، بقطع يده ليتعلم ويعتبر الجميع..إذاً لاخوف في الجزائر من الموت جوعاً، فالكل هنا عابرُ سبيل، وكما قال الرسول، صلى الله عليه وسلم “ كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل”..
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)